علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )

158

ثمرات الأوراق

ببعض بلاد الصعيد ، فأكرمنا - وكان الرّجل شديد السّمرة وهو شيخ كبير - فحضر له أولاد بيض الوجوه ، حسان الأشكال ، فقلنا له : هؤلاء أولادك ؟ فقال : نعم ، وكأنّي بكم وقد أنكرتم بياضهم وسوادي ! فقلنا له : نعم ، قال : هؤلاء أمّهم إفرنجية أخذتها في أيّام الملك النّاصر صلاح الدين وأنا شابّ ، فقلنا : وكيف أخذتها ؟ قال : حديثي بها عجيب . قلنا : أتحفنا به ؛ قال : زرعت كتّانا في هذه البلدة ، وقلعته ونفضته ، فانصرف عليه خمسمائة دينار ؛ ولم يبلغ الثمن إلى أكثر من ذلك ، فحملته إلى القاهرة فلم يصل إلى أكثر من ذلك ، فأشير عليّ بحمله إلى الشّام فحملته ، فما زاد على تلك القيمة شيئا ، فوصلت به إلى عكّا فبعت بعضه بالأجل ، والبعض تركته عندي واكتريت حانوتا أبيع فيه على مهلي إلى حيث انقضاء المدّة ، فبينما أنا أبيع إذ مرّت بي امرأة إفرنجية - ونساء الإفرنج يمشون في الأسواق بلا نقاب - فأتت تشتري منّي كتّانا ، فرأيت من جمالها ما بهرني ، فبعتها وسامحتها . ثم انصرفت وعادت إليّ بعد أيام فبعتها وسامحتها أكثر من المرّة الأولى ، فتكرّرت إليّ ، وعلمت أنّي أحبّها ، فقلت للعجوز الّتي معها : إنّني قد تلفت بحبّها « 1 » وأريد منك الحيلة ، فقالت لها ذلك ، فقالت : تروح أرواحنا الثّلاثة ؛ أنا وأنت وهو ؛ فقلت لها : قد سمحت بروحي في حبّها . واتّفق الحال على أن أدفع لها خمسين دينارا صوريّة فوزنتها وسلّمتها للعجوز ، فقالت : نحن اللّيلة عندك ؛ فمضيت وجهّزت ما قدرت عليه من مأكول ومشروب وشمع وحلوى ، فجاءت الإفرنجية فأكلنا وشربنا ، وجنّ اللّيل ولم يبق غير النوم ، فقلت في نفسي : أما تستحي من اللّه ؛ وأنت غريب تعصي اللّه مع نصرانيّة ! اللّهم إنّي أشهدك أنّي قد عففت عنها في هذه اللّيلة حياء منك وخوفا من عقابك ، ثم نمت إلى الصّبح ، وقامت في السّحر وهي غضبى ، ومضت ومضيت أنا إلى حانوتي . فجلست فيه وإذا هي قد عبرت « 2 » عليّ ؛ هي والعجوز وهي مغضبة وكأنها القمر ، فقلت في نفسي : من هو أنت حتّى تترك هذه البارعة في حسنها ! ثم لحقت العجوز وقلت : ارجعي . فقالت : وحقّ المسيح ما أرجع إليك إلّا بمائة دينار ؛ فقلت : نعم رضيت ؛ فوزنت مائة دينار . فلمّا حضرت الجارية عندي لحقتني الفكرة الأولى وعففت عنها . وتركتها حياء من اللّه تعالى ، ثم مضت ومضيت إلى موضعي ، ثم عبرت بعد ذلك عليّ . وكانت مستعربة . فقالت : وحقّ المسيح ما بقيت تفرح بي عندك إلا بخمسمائة دينار أو تموت كمدا ، فارتعت لذلك وعزمت أنّني أصرف عليها ثمن الكتّان جميعه .

--> ( 1 ) ب : « بحبها » . ( 2 ) ب : « قد أقبلت » .